السيد محمد حسين فضل الله
271
من وحي القرآن
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ التي لا توحي في مدلولها النفسي بأيّ شيء ، لأنها جرت على سبيل العادة التي يعتادها الناس في التلفّظ بصيغة اليمين ، من دون أن ينطلق من أي التزام عقدي بالإتيان بمتعلقه ، كما جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السّلام - تعليقا على هذه الآية - قال : هو : « لا واللّه » و « بلى واللّه » و « كلا واللّه » ، لا يعقد عليها أو لا يعقد على شيء « 1 » . وعلى هذا فلا مسؤولية على الحالف ، لأنه لم يقصد الحلف ، بل تكلم باليمين من دون شعور كأية لازمة في اللفظ يعتادها الإنسان من دون قصد . وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي : عقولكم أو نفوسكم ، أو المنطقة الداخلية في الرأس التي تنتج الفكرة ، وتبدع النيّة ، وتحرّك الإرادة . . . وبذلك كانت الأفكار والنيات والإرادات حركة كسب في الذات ، منطلقة من اختيار الإنسان الذاتي ، مما يفرض عليه أن يتحمل مسؤولية هذا الكسب ، باعتبار أنه إنتاجه العملي في الداخل الذي ينعكس ، سلبا أو إيجابا ، على إنتاجه الخارجي في عمله . وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ لما يصدر من المؤمن من هذا اللغو الذي أراد له أن يعرض عنه لكراهته له ، ولكن بالدرجة التي لم تصل بها إلى حد الإلزام . وفي ضوء ذلك ، قد نستوحي من هذه الفقرة أن الإتيان بالمكروهات قد يلتقي بالحاجة إلى المغفرة والرحمة ، لما في ذلك من الحزازة العملية ، التي لا يحب اللّه للإنسان أن يقوم بها ، باعتبار أن المنهج التربوي القرآني يؤكد على الهدف الإيماني في تحرك الإنسان .
--> ( 1 ) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 404 ، باب : 4 ، رواية : 37 .